
القواعد الروسية والسيادة السورية
تكشف تجربة حميميم وطرطوس عن مسار أوسع لإعادة تعريف السيادة السورية بعد الحرب. فالمسألة تتجاوز حجم الوجود العسكري الروسي إلى طبيعة القواعد التي ستنظم أي وجود عسكري أجنبي مستقبلاً، ومدى خضوعه لسلطة الدولة السورية وقوانينها ومصالحها الأمنية والسياسية.
بعد أكثر من عام ونصف على سقوط نظام الأسد أعلنت الحكومة السورية عن التوصل إلى مذكرة تفاهم مع روسيا بما يخص مصير القاعدتين العسكريتين في كل من حميميم وطرطوس، و”ستتولى الدولة السورية إدارة المنشآت ذات الطابع المدني، وفي مقدمتها مطار حميميم والرصيف التجاري الرابع في ميناء طرطوس”، تمهيداً لإدخالهما تدريجياً ضمن منظومة الإدارة المدنية. أما فيما يتعلق بالقواعد والمنشآت العسكرية، اتفق الطرفان على إعادة صياغة وظيفتها لتتحول “من قواعد عسكرية إلى مراكز تدريب وتأهيل مشتركة، ضمن ترتيبات جديدة تحفظ المصالح المتبادلة”.
كما حددت مذكرة التفاهم سقفًا زمنيًا لا يتجاوز 3 أشهر لاستكمال عملية التحويل ودخول الترتيبات الجديدة حيز التنفيذ، وتُعد هذه الخطوة “الأبرز منذ بدء المفاوضات”، ولا تقتصر دلالتها على إعادة تنظيم الوجود الروسي الراهن في سورية، وإنما تمثل تحولًا في طبيعة الإطار الذي حكم هذا الوجود لعقود، ولا سيما الاتفاقيات التي منحته أساسه القانوني والعسكري خلال عهد نظام الأسد. ومن ثم، فإن فهم أبعاد الترتيبات الجديدة يقتضي العودة إلى المسار الذي تشكّل من خلاله الوجود العسكري الروسي في سورية، وكيف تطور من تسهيلات واتفاقيات تعاون محدودة إلى قواعد عسكرية ذات وضع قانوني خاص..
فقد شكّل الوجود الروسي في سوريا امتداداً لعلاقة قديمة سبقت التدخل العسكري الروسي المباشر في نهاية شهر أيلول/سبتمبر 2015، وسبق ذلك سلسلة من التفاهمات والاتفاقيات بين دمشق وموسكو، تعود جذورها إلى الحقبة السوفيتية، وعلى رأسها معاهدة الصداقة والتعاون بين الاتحاد السوفييتي والجمهورية العربية السورية عام 1980، واتفاقية عام 1983 المتعلقة بدخول السفن الحربية السوفيتية وسفن الدعم إلى المياه والموانئ السورية، وإنشاء نقطة دعم مادي-فني في منطقة ميناء طرطوس. تبعه لاحقاً توقيع اتفاقيتي حميميم وطرطوس في 2015 و2017 حيث أعيد تعريف العلاقة عسكرياً وسياسياً ضمن ظرف عسكري جديد فرضته الثورة السورية وتآكل قدرة نظام الأسد على البقاء من دون دعم خارجي مباشر.
بطبيعة الحال، تقوم القواعد العسكرية الأجنبية، ومنها الروسية، على ترتيبات قانونية وسياسية وأمنية تحدد طبيعة وجود القوات الأجنبية وصلاحياتها، وتنظم العلاقة بينها وبين الدولة التي توجد هذه القواعد على أراضيها، سواء كانت دولة مضيفة، أو دولة واقعة تحت الاحتلال أو الوصاية.. ومن هنا، فإن النقاش حول الوجود العسكري الروسي في سوريا ينطلق من طبيعة الحق الذي مُنح لروسيا، وحدود السيادة السورية داخل مناطق انتشار قواتها، والوظيفة السياسية والأمنية والعسكرية التي أدتها هذه القواعد خلال الفترة بين عامي 2015 و2024 وتأتي الجوانب التقنية المرتبطة بأعداد الطائرات والسفن والمعدات والجنود ضمن هذا الإطار الأوسع لفهم طبيعة الوجود الروسي وأبعاده. ، ثم السؤال الذي تفتحه المرحلة الجديدة بعد سقوط نظام الأسد في 8 كانون الأول/ديسمبر 2024.
أنواع القواعد العسكرية الأجنبية من الناحية القانونية
تختلف القواعد العسكرية الأجنبية من حيث الشكل القانوني وطبيعة عملها، فهناك قواعد تنشأ بموجب معاهدات دفاع مشترك بين حلفاء، كما في ترتيبات حلف شمال الأطلسي “الناتو”، حيث تنتشر قوات دولة عضو في أراضي دولة عضو أخرى ضمن إطار دفاعي جماعي واتفاقيات لوضع القوات. وفي هذا النموذج، تبقى السيادة للدولة المضيفة، فيما تُنظَّم حقوق القوات وواجباتها وحدود الاختصاص القضائي بين الدولة المضيفة والدولة المرسلة. ويظهر هذا النموذج بوضوح في وجود قوات دول الحلف داخل ألمانيا، على سبيل المثال.
وهناك نوع ثانٍ يقوم على اتفاقيات وضع القوات، أو ما يُعرف بـ (Status of Forces Agreement) SOFA، وهي ترتيبات تحدد الوضع القانوني للأفراد العسكريين والمدنيين، والمسائل المتعلقة بالولاية القضائية، والدخول والخروج والضرائب وحمل السلاح والاتصالات والجمارك والتعويضات.. الخ. هذه الاتفاقيات قد تكون واسعة ومفصلة وقد تكون مختصرة لكنها في الحالتين تنظم الوجود العسكري ولا تنقل بالضرورة الملكية أو السيادة. ومن أبرز الأمثلة اتفاقية وضع القوات بين الولايات المتحدة واليابان.
أهمية هذا النموذج أنه لا يكتفي بالسماح بوجود القوات، بل يضبط العلاقة اليومية بين القوة الأجنبية وسلطات الدولة المضيفة، بمعنى من يحقق؟ من يحاكم؟ ما حدود التفتيش؟ وكيف تُعالج الأضرار أو الحوادث؟
يتمثل النمط الثالث في القواعد أو التسهيلات العسكرية القائمة على حق الاستخدام أو الإيجار أو الانتفاع طويل الأمد. في هذه الحالة، تبقى الأرض من حيث الأصل تابعةً للدولة المضيفة، لكن الدولة الأجنبية تحصل على حق استخدام منشآت أو مساحات محددة، ضمن ترتيبات تمنحها غالباً إعفاءات وحصانات وامتيازات تشغيلية واسعة. ويُعدّ خليج غوانتانامو في كوبا المثال الأبرز على هذا النمط؛ إذ حصلت الولايات المتحدة، بموجب اتفاقية عام 1903، على حق استخدام أراضٍ ومياه لإقامة محطة فحم وقاعدة بحرية، مع بقاء السيادة النهائية مسألة شديدة الحساسية في العلاقة الأمريكية–الكوبية، وهي علاقة ما تزال متوترة حتى اليوم.
في مثل هذه الحالات يصبح الفارق بين “الملكية” و”السيطرة العملية” شديد الحساسية؛ فالدولة الأجنبية لا تملك الأرض بالضرورة، لكنها قد تمارس داخلها درجة واسعة من الاستقلال الأمني والإداري، بما يجعل سلطة الدولة المضيفة محدودة عملياً.
النوع الآخر يتمثل على شكل نقاط للدعم اللوجستي، وهي أقل من قاعدة عسكرية كاملة، لكنها قد تؤدي وظائف إستراتيجية كبرى، مثل التزويد والصيانة والاستراحة وتخزين المعدات واستقبال السفن أو الطائرات.
كما توجد قواعد أو منشآت عسكرية تنشأ بناءً على دعوة أو موافقة حكومة الدولة المضيفة أثناء نزاع مسلح داخلي. من الناحية الشكلية، يستند هذا النوع إلى رضا قانوني صادر عن سلطة قائمة، لكنه يبقى إشكالياً عندما تكون الدولة المضيفة في حالة حرب داخلية أو ضعف مؤسساتي حاد، لأن القاعدة قد تتحول من أداة تعاون عسكري بين دولتين إلى أداة لحماية النظام القائم أو ترجيح كفته في الصراع الداخلي.
ويندرج الوجود الروسي في سوريا ضمن هذا النموذج من حيث الأساس الشكلي، إذ جاءت اتفاقية حميميم لعام 2015 واتفاقية طرطوس لعام 2017 بناءً على ترتيبات موقعة مع حكومة نظام الأسد، ومنحتا روسيا حق استخدام مجاني وحصانات واسعة، من دون أن تنقلا الملكية أو السيادة رسمياً.
وفي الحالات القصوى، توجد قواعد أو منشآت عسكرية مفروضة بحكم الاحتلال أو الأمر الواقع، وهي تختلف قانونياً عن القواعد القائمة على اتفاق رسمي، حتى لو كانت بعض الاتفاقيات الرسمية غير متكافئة سياسياً أو نشأت في ظروف ضعف شديد للدولة المضيفة.
فالوجود العسكري في العراق بعد عام 2003، مثلاً، بدأ في سياق احتلال عسكري اعترف به قرار مجلس الأمن رقم 1483 من خلال التعامل مع الولايات المتحدة وبريطانيا بوصفهما سلطتي احتلال، ثم انتقل لاحقاً إلى إطار قانوني مختلف بعد اتفاقية عام 2008 بين الولايات المتحدة والعراق بشأن انسحاب القوات وتنظيم أنشطتها خلال وجودها المؤقت.
الاتفاقيات الروسية-السورية (حميميم وطرطوس) مراجعة للنص القانوني
اتخذ الوجود العسكري الروسي في سوريا طابعًا مؤسسيًا طويل الأمد، وثُبّت عبر اتفاقيات رسمية منحت روسيا حصانات واسعة، وترتيبات خاصة تتعلق بالولاية القضائية وحرية الحركة والإعفاءات.. وقد صدرت النصوص الكاملة المتاحة عبر القنوات الرسمية الروسية، بينما لا تتوفر صيغة سورية منشورة كاملة مقابلة. وهذه الملاحظة لا تتعلق بالشكل فقط، بل بمستوى الشفافية في اتفاقيات تمس الإقليم والسيادة والاختصاص القضائي داخل منشآت سورية.
جاءت اتفاقية حميميم في لحظة مفصلية من مسار الثورة السورية وفي وقت كان يعاني فيه نظام الأسد من انهيارات عسكرية متتالية بعد معركة تحرير إدلب في ربيع عام 2015. ووقعت الاتفاقية في دمشق بتاريخ 26 آب/أغسطس 2015، أي قبيل التدخل العسكري الروسي المباشر في أيلول/سبتمبر من العام نفسه. وتنظم الاتفاقية نشر “المجموعة الجوية التابعة للقوات المسلحة الروسية على الأراضي السورية، بناءً على طلب نظام الأسد، حيث شكلت هذه الاتفاقية المدخل القانوني الأساسي للذراع الجوية الروسية في سوريا، وحولت مطار حميميم إلى مركز تشغيل عسكري روسي واسع الصلاحيات.
لا تنص الاتفاقية على نقل ملكية المطار أو التنازل عن السيادة عليه، وإنما تستخدم صيغة “الاستخدام”. فالجانب السوري قدم مطار حميميم ببنيته التحتية والمنطقة اللازمة لاستخدام الاتحاد الروسي على أساس مجاني. كما تحدد الاتفاقية أن مكان انتشار المجموعة الجوية والعقارات المسلمة للجانب الروسي يحددان ببروتوكول منفصل. ولذلك، فإن
التوصيف القانوني الأدق لحميميم ليس بأنها أصبحت ملكية روسية، وإنمامُنحت لروسيا كحق استخدام عسكري مجاني ضمن ترتيب خاص. ومن حيث المدة، فقد جاءت اتفاقية حميميم غير محددة الزمن.
فهي تُبرم لمدة غير محددة، مع إمكانية إنهائها إذا أبلغ أحد الطرفين الطرف الآخر كتابةً برغبته في ذلك، على أن يتوقف تطبيقها بعد مرور سنة واحدة من تاريخ تلقي الإخطار. هذه الصيغة منحت الوجود الروسي في حميميم طابعاً مفتوحاً، لا يرتبط بجدول زمني محدد أو بمراجعة دورية منصوص عليها في الاتفاقية. والأهم في اتفاقية حميميم هو نظام الحصانات والامتيازات. فالمجموعة الجوية الروسية تتمتع بحصانة كاملة من الولاية المدنية والإدارية السورية. كما أن ممتلكاتها المنقولة وغير المنقولة، ومحفوظاتها، ووثائقها، تتمتع بالحرمة، ولا يحق لممثلي السلطات السورية دخول أماكن انتشارها من دون موافقة قائد المجموعة. كذلك يمنح النص أفراد المجموعة الجوية الروسية وأفراد أسرهم حصانات وامتيازات مماثلة لتلك الممنوحة لأعضاء الطاقم الدبلوماسي وفق اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية. وبذلك تصبح الاتفاقية وفق نصها القانوني، مجالاً عسكرياً روسياً ذا حصانة واسعة داخل سوريا، رغم بقاء السيادة القانونية الاسمية للدولة السورية.
أما القاعدة البحرية الروسية في طرطوس، فقد تحولت من نقطة دعم سوفيتية إلى قاعدة بحرية روسية طويلة الأمد وتختلف هذه الاتفاقية عن اتفاقية حميميم من حيث الجذر التاريخي. فهي لا تبدأ باتفاقية عام 2017 فقط، وإنما تعود إلى ترتيب أقدم أُبرم عام 1983 بين الاتحاد السوفييتي وسوريا بشأن دخول السفن الحربية السوفيتية وسفن الدعم إلى المياه الإقليمية والموانئ السورية، وإنشاء نقطة دعم مادي-فني سوفيتية في منطقة ميناء طرطوس. لذلك، جاءت اتفاقية 2017 لا لتنشئ الوجود البحري الروسي من الصفر، بل لتوسّع منطقة نقطة الدعم وتعيد تنظيمها وتحديثها في سياق التدخل العسكري المباشر في سوريا.
وُقعت اتفاقية طرطوس في دمشق بتاريخ 18 كانون الثاني/يناير 2017، وجاء عنوانها صريحاً في الدلالة على وظيفتها: توسيع منطقة نقطة الدعم المادي-الفني للبحرية الروسية في منطقة ميناء طرطوس، وتنظيم دخول السفن الحربية الروسية إلى البحر الإقليمي والمياه الداخلية والموانئ السورية. وبذلك تحولت طرطوس من مرفق دعم محدود إلى منصة بحرية-لوجستية روسية ذات نطاق بري ومائي، مرتبطة بالحركة البحرية الروسية على الساحل السوري وفي البحر المتوسط..
تمنح الاتفاقية الجانب الروسي حق الاستخدام المجاني لمنطقة نقطة الدعم طوال مدة سريان الاتفاقية. وتشمل هذه المنطقة، وفق النص، مناطق برية، أي قطع أراضٍ، وحوضاً مائياً، ومنشآت عقارية مخصصة لنشر نقطة الدعم وتشغيلها. كما تسمح الاتفاقية بوجود حتى إحدى عشرة سفينة حربية روسية في وقت واحد داخل نقطة الدعم، بما في ذلك سفن حربية ذات منظومة طاقة نووية، شريطة الالتزام بمتطلبات الأمن النووي والبيئي. وهذا النص يمنح القاعدة أهمية تتجاوز وظيفة التموين أو الرسو المؤقت، لأنها تصبح قادرة قانونياً على استقبال تشكيل بحري روسي معتبر.
ومن حيث المدة، صُممت اتفاقية طرطوس كترتيب إستراتيجي طويل الأمد. فهي تسري لمدة 49 عاماً، وتُمدد تلقائياً لفترات لاحقة مدة كل منها 25 عاماً، ما لم يخطر أحد الطرفين الطرف الآخر، كتابةً وعبر القنوات الدبلوماسية، قبل سنة واحدة على الأقل من انتهاء الفترة الجارية، بنيته إنهاء العمل بها. وهذا يختلف عن حميميم التي جاءت غير محددة المدة وقابلة للإنهاء بإخطار، إذ إن طرطوس وضعت إطاراً زمنياً طويلاً وممتداً تلقائياً، ما يعكس رغبة في تثبيت الحضور البحري الروسي لعقود.
كما تمنح اتفاقية طرطوس روسيا منظومة واسعة من الحقوق التشغيلية والأمنية بشكل مشابه أو يزيد عن اتفاقية حميميم. فهي تقرر حرمة الممتلكات المنقولة وغير المنقولة لنقطة الدعم، وتمنع دخول ممثلي السلطات السورية إلى أماكن تمركزها من دون موافقة قائد نقطة الدعم. كما تمنح النقطة حصانة من الولاية المدنية والإدارية السورية، وتقرر أن الجانب الروسي يمارس ولايته داخل أماكن التمركز وتجاه الأفراد العاملين فيها وأفراد أسرهم وأعضاء الأطقم. كذلك تنظم الاتفاقية الحراسة، وحمل السلاح، واستخدام وسائل الاتصال والحرب الإلكترونية، وحركة وسائل النقل، والإعفاءات الضريبية والجمركية، وعمل المتعاقدين. وبهذا المعنى، لا تظهر طرطوس في النص كمنشأة سورية عادية تستضيف نشاطاً أجنبياً، بل كمنطقة تشغيل عسكري روسي واسعة الامتيازات داخل ميناء سوري.
تُظهر قراءة الاتفاقيتين أن الوجود الروسي في سوريا قام على ذراعين متكاملين: ذراع جوية في حميميم، وذراع بحرية-لوجستية في طرطوس. غير أن هذا التكامل لا يعني أن القاعدتين من النوع القانوني نفسه. حميميم ارتبطت مباشرة بالتدخل الجوي الروسي خلال الحرب، وجاءت بصيغة استخدام مجاني غير محدد المدة. أما طرطوس فاستندت إلى جذور سوفيتية أقدم، ثم جرى توسيعها عام 2017 وتحويلها إلى ترتيب طويل الأمد يمتد 49 عاماً مع تمديدات تلقائية.
ومع ذلك، يجمع الاتفاقيتين منطق قانوني واحد: السيادة السورية من حيث الشكل مع استخدام مجاني، وحصانات واسعة، وتقييد دخول السلطات السورية، وإعفاءات ضريبية وجمركية، وترتيبات خاصة تحد من الولاية السورية الاعتيادية داخل مناطق الانتشار.
القواعد الروسية بمواجهة الثورة السورية
بدأت الوظيفة العسكرية المباشرة لهذه القواعد مع التدخل الروسي في أيلول/سبتمبر 2015، حين حصل الرئيس فلاديمير بوتين على تفويض لاستخدام القوة العسكرية في سوريا، وبدأت الضربات الجوية الروسية في اليوم نفسه. قدّمت موسكو تدخلها بوصفه استجابة لطلب الحكومة السورية ومشاركة في مكافحة الإرهاب، لكن الأثر الميداني الأوسع كان تثبيت نظام الأسد ومنع انهياره العسكري، ثم مساعدته على استعادة مناطق واسعة من المعارضة.
خلال التدخل الروسي تحول مطار حميميم إلى مركز قيادة وتشغيل للحملة الجوية الروسية، تنطلق منه الطائرات ويُدار عبره جانب أساسي من التنسيق العملياتي مع قوات النظام وحلفائه.. وفّرت القاعدة ثلاثة عناصر حاسمة: القدرة على الإسناد الجوي الكثيف، وإدامة العمليات عبر خطوط إمداد مستقرة، وتحويل الساحل السوري إلى عمق آمن نسبياً لإدارة الحرب. في المقابل، وفر موقع طرطوس البحري منفذاً لوجستياً مكملاً، ربط الحضور الروسي في سوريا بالبحر المتوسط، وسهّل حركة السفن، والإمداد، والتموين، والصيانة، وحتى المشاركة في الحرب ضد فصائل المعارضة المسلحة.
القواعد الروسية بعد الأسد
أحدث سقوط نظام الأسد في 8 كانون الأول/ديسمبر 2024 تحولاً جوهرياً في سؤال الوجود الروسي. فالقواعد التي حصلت موسكو عليها باتفاقيات موقعة مع نظام الأسد، واستخدمتها لدعم بقائه طوال سنوات الحرب، وجدت نفسها فجأة أمام سلطةجديدة لم تكن طرفاً سياسياً ترتيب وصولها للحكم ، بل كانت، في جزء كبير من مكوناتها، هدفاً مباشراً للآلة العسكرية الروسية التي انطلقت من هذه القواعد أو استفادت منها.
لاحقًا هذه القواعد نفسها أصبحت جزءًا من ملف العلاقات بين الدولة السورية الجديدة وروسيا بما حمله ذلك من مراجعة لوظيفتها وترتيباتها القانونية والسياسية. وانتهت هذه المرحلة من المراجعة، في آب/أغسطس 2026، لتتحول إلى مذكرة تفاهم أعادت رسم الإطار العام للوجود الروسي في سوريا.
وعليه، تكشف تجربة حميميم وطرطوس عن مسار أوسع لإعادة تعريف السيادة السورية بعد الحرب. فالمسألة تتجاوز حجم الوجود العسكري الروسي إلى طبيعة القواعد التي ستنظم أي وجود عسكري أجنبي مستقبلاً، ومدى خضوعه لسلطة الدولة السورية وقوانينها ومصالحها الأمنية والسياسية. ومن هذه الزاوية، تمثل الترتيبات الجديدة اختبارًا مبكرًا لقدرة الدولة السورية على الانتقال من اتفاقيات أُبرمت في ظرف اختلال عميق في موازين القوة إلى علاقات عسكرية خارجية أكثر ارتباطًا بمفهوم السيادة والمصلحة الوطنية.